الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

18

نفحات الولاية

والتمسك بالرأي والتعويل على الأفكار الإنسانية المحدودة بهذا الخصوص ، فكل هذه الأمور من وساوس الشيطان ومكائده . لأنّ صفات اللَّه مطلقة كذاته ليست محدودة من جانب ، ومن جانب آخر فانّ معارف الإنسان وعلومه إنّما تقتصر على المخلوقات ، فإذا اتجهوا صوب صفات اللَّه خشي عليهم السقوط في مستنقع التشبيه على غرار صفات مخلوقاته ، ومن هنا فانّ أغلب من ولى ظهره لهذا الأصل الأساسي المتمثل بالرجوع إلى القرآن والوحي وكلمات المعصومين عليهم السلام بُلي بالانحراف وإجراء صفات المخلوق على الخالق ، من جهة أخرى فهذا القرآن يهتف بأنديتنا صباح مساء : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ » « 1 » و « وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً » « 2 » فأنى للإنسان بهذا الفكر القاصر أن يطمع في معرفة ذات اللَّه وصفاته ولا يكتفي بمعرفته الإجمالية على ضوء نور الوحي وهدى العصمة الذي ينأى به بعيدا عن الزلل . فلا يمكن معرفة اللَّه إلّا به ، وهو كما عرف نفسه وصفاته . وهنا يبرز هذا السؤال : هل صفات اللَّه توقيفية ؟ يعنى لا يجوز وصفه إلّامن خلال ما ورد في الكتاب والسنة ؟ ونقول في الإجابة على هذا السؤال نعم هذا ما عليه أغلب المحققين والعلماء الأعلام ، إلى جانب ضرورة مراعاة الحيطة والحذر في مبحث صفات اللَّه والانفتاح عليها انطلاقاً من الوحي وكلمات المعصومين عليه السلام . بعبارة أخرى فانّ السبيل إلى معرفة اللَّه وصفاته إنّما يمر عبر خط مستقيم يقع على جانبيه مطبين عظيمين ؛ مطب التشبيه ومطب التعطيل . وتوضيح ذلك : إنّ مبحث معرفة ذات اللَّه وصفاته كسائر المباحث التي اكتنفها الإفراط والتفريط . فقد شبه البعض صفات اللَّه بصفات مخلوقاته ، حتى اعتبروا صفاته سبحانه زائدة على ذاته على غرار صفاتنا الزائدة على ذاتنا من قبيل العلم والقدرة وسائر الصفات ، فقد كنا لا نعلم يوماً ثم أصبح لنا علم ، ولم نكن أقوياء ثم أصبحنا كذلك ، وهكذا اعتقدوا اشتماله سبحانه على هذه الصفات المشوبة بأنواع النقص ، ثم اندفعوا أكثر من ذلك ليصوروا له سائر ما لخلقه من جسم وزمان ومكان وجهة ، بل ويد ورجل وشعر مجعد وأمثال ذلك . بينما خالف البعض الآخر هذا الاتجاه تماماً حتى قال بتعطيل معرفة صفات اللَّه ، فزعم أننا

--> ( 1 ) سورة الشورى / 11 . ( 2 ) سورة طه / 110 .